الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
عربي

تحت النار.. لماذا طلبت إسرائيل التفاوض مع لبنان في ذروة القصف؟

هل يمنح التفاوض مع لبنان فرصة صمود إضافية للهدنة الهشة؟

مشاركة:
تحت النار.. لماذا طلبت إسرائيل التفاوض مع لبنان في ذروة القصف؟

خلال أقل من 24 ساعة، تبدل المشهد من دوي واحدة من أعنف موجات القصف الإسرائيلي على لبنان، إلى إعلان دبلوماسي مفاجئ بالاستعداد لفتح مفاوضات مباشرة “في أسرع وقت ممكن”. وهو تحول مفاجئ جاء بعد تعثر كاد يودي بهدنة الأسبوعين بين إيران وأمريكا تحت وطأة الخلاف على شمول لبنان بالنطاق الجغرافي لهذه الهدنة.

ومن هذه النقطة الشائكة تحديدًا، تبرز القراءة الاستراتيجية الأهم؛ فالمشهد يتجاوز كونه مجرد خطوة تفاوضية جديدة، ويكشف طبيعة لحظة إقليمية بالغة التعقيد.

إذ بدت الإدارة الأمريكية حريصة على تثبيت مسار التهدئة مع طهران، فيما كانت تل أبيب تتحرك على إيقاع مختلف، تحاول فيه الحفاظ على حرية حركتها العسكرية على الجبهة الشمالية من دون أن تتحمل كلفة تفجير المسار الدبلوماسي الوليد.

وهنا تتجاوز الأسئلة سطور بيان نتنياهو نفسه: هل اختارت إسرائيل التفاوض اكتفاءً بما حققته آلة القصف، أم استجابةً لضغط سياسي يواجه تهديدها المسار الذي فتحته إدارة ترامب مع إيران؟ وهل يمنح التفاوض مع لبنان فرصة صمود إضافية للهدنة الهشة، أم يؤكد أن المنطقة ما تزال تتحرك فوق أرض قابلة للاشتعال في أية لحظة؟

لبنان تحت النار.. شروط على الطاولة المعلقة

بيان نتنياهو كان واضحًا في شكله السياسي: مفاوضات مباشرة مع لبنان “في أسرع وقت ممكن”، وعلى الطاولة بندان محددان هما “نزع سلاح حزب الله” و”إقامة علاقات سلمية” بين الجانبين.

هذا هو النص الذي أوردته وكالة “رويترز” في تغطيتها لإعلان نتنياهو فتح المسار التفاوضي. بينما قبل ذلك بساعة تقريبًا، كان الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث عن أن “الحل الوحيد” يبدأ بوقف إطلاق نار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما.

وقد نقلت “رويترز” عن مسؤول لبناني كبير أن بيروت دفعت خلال الساعات السابقة نحو وقف إطلاق نار مؤقت يتيح فتح مسار تفاوض أوسع، مع حاجة واضحة إلى وسيط وضامن أمريكي.

ما يعني أن الطاولة لم تُفتح في لحظة انفراج هادئة، وإنما وسط اشتباك سياسي وعسكري معقد. إذ طلب لبنان وقفًا للنار أولًا، بينما كان نتنياهو يعرض التفاوض مقرونًا بسقف أمني وسياسي مرتفع.

والفجوة بين الطلبين توحي بأن الحديث لا يدور حول تسوية ناضجة بقدر ما يدور حول محاولة كل طرف استثمار اللحظة الحرجة لمصلحته: بيروت تريد وقف النزيف، فيما تسعى تل أبيب إلى تثبيت نتائج النار داخل أي مسار سياسي مقبل.


24 ساعة دموية.. رسائل قصف لبنان

التوقيت هنا هو مفتاح القراءة. فإعلان نتنياهو جاء بعد يوم وصفته “رويترز” بأنه هدد الهدنة الأمريكية الإيرانية نفسها، بغارات إسرائيلية على لبنان قتلت أكثر من 300 شخص، في وقت كانت فيه المحادثات المنتظرة بين واشنطن وطهران لا تزال في طور التشكل.

وقد استهدفت إسرائيل 100 هدف في أنحاء لبنان، فيما وصفت وكالة “أسوشيتد برس” الهدنة - في أعقاب تلك الضربة - بأنها بدت مهددة بشكل خطير.

هذا التزامن بين اتساع القصف وفتح باب التفاوض يمنح الضربات وظيفة تتجاوز بعدها العسكري، لتصبح جزءًا من الرسالة السياسية نفسها.

فعندما يولد التفاوض بعد هذا المستوى من الضربات، تبدو الصورة أقرب إلى محاولة إسرائيلية للدخول إلى الطاولة من بوابة الردع والضغط.

غير أن المشهد نفسه يحمل إشارة معاكسة أيضًا: لو كانت النار وحدها كافية لإنتاج الحسم، لما احتاجت الحكومة الإسرائيلية أصلًا إلى فتح مسار تفاوضي مباشر في هذه اللحظة شديدة الحساسية.

فيتو أمريكي في لبنان.. كيف أنقذ “ترامب” هدنة إيران؟

هنا، يدخل العامل الأمريكي بقوة. إذ يصف مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي الهدنة بين واشنطن وطهران بأنها “هشة”، ويشير إلى أن الخلاف ما يزال قائمًا حول ما إذا كان لبنان داخلها أم خارجها، في وقت قال فيه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الهدنة قابلة للانهيار تحت ضغط أي تصعيد جديد.

وفي تغطيتها، أوردتها صحيفة التلجراف البريطانية، نقلًا عن فانس قوله إن إسرائيل أبدت استعدادًا لأن “تكبح نفسها قليلًا” في لبنان، لأن الإسرائيليين يريدون التأكد من نجاح المفاوضات.

هذه العبارة وحدها تكشف حجم الضغط الأمريكي في تلك اللحظة: إدارة ترامب لا تريد فتح جبهة خلاف جديدة مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل انهيار المسار الذي أعلنت عنه مع إيران قبل أن يبدأ أصلًا.

وواشنطن، بحسب ما أعلنته، لم تقل إن لبنان جزء من التفاهم. لكن سلوكها السياسي عكس قناعة واضحة بأن أي انفجار كبير هناك قد يضرب الهدنة في مقتل.

وهو ما يفسر التناقض الأمريكي الظاهر: البيت الأبيض ينفي شمول لبنان بالاتفاق، بينما الإدارة نفسها تتحرك لحماية التفاوض مع طهران، وتتابع عن قرب أي تطور قد تستخدمه إيران ذريعة للانسحاب أو التعطيل.

ولذلك، فإن جلوس إسرائيل إلى الطاولة يبدو، في أحد وجوهه الأساسية، استجابة لسقف أمريكي أراد ضبط الإيقاع أكثر من كونه انعطافة إسرائيلية نابعة من اقتناع كامل بجدوى التهدئة.

\

\

هل أعجبك هذا المقال؟

التعليقات

أضف تعليقك